أبي الفدا
16
تقويم البلدان
خليج القلزم الذي على شرقي أوله أرض اليمن وعدن ، وعلى غربيه : أرض الحبشة ورأس بربرة والخليج البربري ، وكل واحد من هذه يسمّى بحرا على حدة لعظمه ، وأكثر ما يبلغ سالكو البحر الأعظم من جانب المغرب سفالة الزنج ، ولا يتجاوزونها ؛ وسببه أن هذا البحر طعن في البر الشمالي في ناحية المشرق ، ودخله في مواضع كثيرة ، وكثرت الجزائر في تلك المواضع وعلى مثله بالتكافي طعن البر في البحر الجنوبي في ناحية المغرب ، وسكنه سودان المغرب ، وتجاوزوا فيه خط الاستواء إلى جبال القمر التي منها منابع نيل مصر ، فحصل البحر هناك فيما بين جبال وشعاب ذوات مهابط ومصاعد ، يتردد فيها الماء بالمدّ والجزر الدائمين ، ويتلاطم فيحطم السفن ، ويمنع السلاك ، ومع هذا فليس يمنعه عن الاتصال ببحر أوقيانوس من تلك المضايق . ومن جهة الجنوب وراء تلك الجبال فقد وجدت علامات اتصالهما ، وإن لم يشاهد ، وبذلك صار بر المعمورة وسط ما قد أحاط به باتصال ، وفي خلال هذا البر مستنقعات مياه كثيرة مختلفة المقادير ، فمنها ما استحق بعظمته اسم البحر كبحر نيطش الأرمني وبحر الروم وبحر الخرز . وإذا تقرر جملة المعمورة قلنا : إن الأرض قسمت إلى أقسام تقوم مقام الأجناس وهي مختلفة عند الأمم وأولاها التسبيع بالأقاليم الممتدة من شرق الأرض إلى غربها بالتلاصق في العرض ، والإقليم هو الناحية والرستاق ، والأصل فيها أن الاختلافات المحسوسة إنما تكون بالمسير في العروض وأظهرها لعامة الناس اختلاف النهار والليل فجعلوا ما يوجب تفاوت نصف ساعة إقليما حسبما تقدّم ذكره . وهذا ما اخترناه من كلام أبي الريحان .